آخر طقوس الحيرة _ مجموعة قصصية

“لم يكن مجنونا و لا أبلها . يكثر الصمت و ينظر دوما نحو جهات مجهولة و كأنه يرى أشياء خفية لا يراها غيره .

على هيئة حائر  يبدو الفقر و التعب ووعثاء السفر لكن لمعة خفية تبدو في نظرات عينيه لا تشبه لمعة تائه أو مسافر متعب .

 بعض أهل القرى قالوا بأنه يصطحب ذئبا أغبرا ينتظره على مشارف الجبال أو فوق القمم , ثم ينزل ليمشي وراءه كلما خرج من قرية ما كان فيها .

يستطيع دوما أن يجد هيئة جديدة من الملابس التي يعطونه إياها أهل القرى و التي هي أشبه بقطع قماشية خالية التفصيل  لا لون لها , يخترع منها أزياء غريبة لا تنتمي لعصره لكنها غارقة في فانتازيا أسطورية تمنحه دوما هالة و هيبة  من نوع خاص .

لم يكن درويشا أو مبروكا لكنه كان حالة خاصة لا وجود لمثلها أبدا .

من الممكن أن يتكرر مروره على القرية مرتين أحيانا خلال العام الواحد و أحيانا لا يرونه إلا مرة واحدة سريعة تكاد تشبه حلما سريعا لا يحفظ منه إلا غباره .

فتيات القرى يعتبرنه سرا فارسا خياليا و يؤلفن قصصا خيالية عنه و عن عينيه الجميلتين الحزينتين .

أمضى على تلك الحال مدة طويلة لا تحصى بميقات البشر و لكنها تحصى بميقات النفوس  و ميقات سفر العيون و زمن سرعة الضوء و الصوت .

بقي على تجواله باحثا عما يستمسك به و لأجله .

 استمر خارج القوس و خارج السطر و خارج الهامش ..

حتى جاء ذلك اليوم الذي مشى فيه حائر طويلا و لم ينقطع عن المشي لأيام , يبحث عن شيء ما بعينيه الناظرتين إلى الجهات المجهولة إلى أن وصل حقلا كبيرا على مشارف قرية نائية مليئا بأشجار مثمرة نضرة و يانعة رأى بينها بدهشة فزاعة مزروعة مخيفة تحوم حولها العصافير و تقف فوق فبعتها القديمة  بحرية و دون خوف .

رآه عجوز مسن , يجلس فوق مصطبة غطاها ظل صغير مفروشة ببساط قديم تحاذي جدار منزل متداعي.

_ من أين أنت ؟    _ مسافر .. عابر سبيل .

_ هل أنت جائع ؟   _ نعم .

قدم له طعاما فأكل حتى شبع .

_ هل أساعدك بأي عمل ؟ أستطيع العمل لديك إن أحببت .  _ العمل كله قد أنجز الآن …. و لكن ..

_ ولكن ماذا ؟

_ هناك عمل واحد تستطيع أن تساعدني به إن شئت .   _ ما هو ؟

_ منذ عامين تفاقمت أعداد العصافير في قريتنا . تكاثرت بشكل هائل .  يبدو أنها عصافير فيها الكثير من الوعي و الإدراك حتى أنها قد أدركت أن الفزاعات التي نضعها هي ليست بشرا حقيقيين  بل هي تماثيل , فانقضت على المحاصيل و صارت تأكل منها ما شاءت دونما خوف . هل تستطيع أنت … أن … تعمل … فزاعة حقيقية ؟

فزاعة حقيقية !!؟؟”

———————————————————————————–
مجموعة قصصية مؤلفة من 8 قصص. نشر دار مواقف / بيروت_ دار بدايات سوريا.  عام 2007