ماريان فيرفيكن

ماذا يحدث عندما يُشاهد الفنان الحياة.. من مسافة؟

إذا كنت تعرف ما هو شعور أن تجلس في حديقة ما وحيدًا تُشاهد الحياة تمر ببساطة؛ أناس يمرحون، وسيدات يُناقشن ما يتبدّى من تفاصيل الحياة ويذكرن كل من “هبّ ودبّ”، ورجال يتجمعون في دائرة هنا أو هناك يتناقشون، بجدية كالعادة، في السياسة أو المال أو حتى كرة القدم. إذا كنت تعرف كيف يكون شعور شخص لم يعد يملك من الحياة شيئًا، ولا يعرف إلا أن يتابع كل شئ يدور من حوله دون أن يختلط به أو يحقد عليه، فهذا بالضبط هو ما تشعر به عندما تنظر إلى لوحات “ماريان فون فيرفكن”.

حساسية خاصة تجاه الحياة

امرأة روسية هي فيرفكن، امتلكت حساسية خاصة تجاه الحياة، والتي لم تكن سهلة أبدا بالنسبة لها.

فقد تعلمت الفن (الرسم) صغيرة، ثم أصُيبت يدها في حادثة صيد لتتوقف عن ممارسته لسنوات.

ورغم أنها نشأت في عائلة ثرية وذات نفوذ، إلا أن الثورة البلشفية في روسيا (1917) جعلت منها في النهاية امرأة بلا دولة، وبلا مال. وظهر كل هذا في فنها جليًا، وكما ينبغي لمثل هذه المشاعر أن تكون.

وجوه بلا ملامح

تختفي في أعمال فيرفكن ملامح الأوجه، وكأنها تضع حاجزا -لم تخترقه إلا نادرًا- بينها وبين مواضيع لوحاتها، فترسم أناسًا كالأشباح، يعبرون الحياة من دون أن تنتبه لهم، وإن لم يمنعهم هذا من الاستمتاع بها أحيانا، فيتجمهرون بملابس رسمية حول موائد الهواء الطلق، يتحركون بجدية هنا وهناك، ويستمتعون بدفء الألوان بينما تسري الحرارة فيما بينهم، وكأن لديهم اتفاقا مُسبق بضرورة الحياة.

الحزن والهجرة.. ذهاب دونما عودة

يرحل أفراد فيرفكن دائما إلى وجهة ما؛ تعتلي وجوههم، أو ما نعرف أنها وجوههم دون أن تمتلك ملامحًا، تعتلي هذه الوجوه المجتمعة في الحزن والهجرة فكرة ما تجول بخاطرك أيضًا وأنت تُشاهدهم يحملون أشياءهم على ظهورهم ويمضون: ليس ثمة عودة! الجميع ضال دون هداية أو وجهة.. وليس ثمة رجوع!

تمر الحياة بشخوص ماريان.. أو يمرون بها

على الرغم من هذا، يجمع الناس القمح في الحقول، ويجرفون الثلج، ويذهبون إلى ورديات العمل الليلية، ويتحلقون حول المراكب ويحتفلون بالأعياد.. ويقعون في الحب، دون غضاضة أو مواربة، وكأن الصفة التي تُلبسها فيرفكن لأشخاصها هي أنهم لا يتوقفون عند شئ!

تمر الحياة بهم أو يمرون بها، هذه هي طبيعة الأشياء، والجميع هنا يقبلها دون عناء التفكير مرتين.

جميعنا أبطال اللحظة

اختارت فيرفكن منذ البداية أن تكون شاهدة على الحياة دون التورط فيها.

ويبدو أنها فوضت للوحاتها ولتفاصيلها المَهمة تاليًا، فتبدو الجبال الشاهقة والمنازل المرتفعة وأعمدة الإنارة العالية، جميعها شهودا على الحدث الذي تنقله صغيرًا كان أو كبيرًا، جميعها تقول في نفس واحد:

لا أحد هنا يهتم أن يكون البطل.
جميعنا أبطال اللحظة، وجميعنا أبطال فيرفكن.

والكلّ راحل

تظل هذه البطولات خافتة في ضمير اللوحات، فأفراد فيرفكن -أبطالها- هم عمال وفلاحون وموظفون وربات بيوت، جميعهم مسيح مصلوب لا يطلب الحياة ولا يسعى لها، لكنه أتى إليها مثقلًا، يحمل من الهمّ ما لا يُطاق، وعلى رغم  همّه، يجلس طويلًا في دفء  الشمس التي لا تُخفيها فيرفكن أبدًا، وإن خفيت، تنوب عنها الألوان الحامية والصحبة. 

قد تكون حياة فيرفكن مرت بصعوبات بالغة، ووضعتها دائما في اختيارات محدودة وشاقة، إلا أنها، وعبر لوحاتها، استطاعت أن تنقل إلينا بريقًا خافتا من الضوء والأمل، يتماهى مع التفاتات الشجر والبيوت في أيام ربيعية، ويحتفي بالحياة دون مبالغة، ولا يطلب إلا أن يكون حاضرًا في اللحظة دون بطولة مصطنعة أو همّ مميت، وإن ظلت الرسالة النهائية حاضرة تتنقلها لوحات فيرفكن واحدة بعد الأخرى: كلنا راحل.

Marianne Von Werefkin

رسامة تعبيرية روسية الأصل.
الولادة: 1860 روسيا.
الوفاة: 1938 سويسرا.
أصبحت طالبة لإليا ريبن عام 1880 الرسام الأكثر أهمية في الواقعية الروسية.
توقفت عن الرسم عام 1888 حيث أطلقت النار بالخطأ _خلال الصيد_ على يدها اليمنى التي ظلت مشلولة لفترة طويلة.
من خلال الممارسة المستمرة تمكنت من استخدام أدوات الرسم والرسم بيدها اليمنى مرة أخرى.
انتقلت إلى ميونيخ عام 1896 وساهمت بإنشاء صالون الفن هناك.
انقطعت حوالي عشر سنوات عن الرسم ثم أكملت عام 1906.
رسمت أول لوحة تعبيرية لها عام 1907.

……………………

بقلم: هند عبد الحميد